كيف كانت البداية وكيف ستكون النهاية؟


نشر بتاريخ: 2016-03-26 02:21:22 (آخر تحديث: 2016-03-26 02:22:01)

الشيخ كمال خطيب : 
كيف كانت البداية وكيف ستكون النهاية؟

إن للأحداث الكثيرة المتلاحقة، التي تزدحم بها ذاكرتنا، سواء كانت محلية أو إقليمية، تأثيراتها القريبة والبعيدة، الشخصية بل وحتى العالمية. ولكثرة وتسارع ما تمر به منطقتنا، ولعلها حبلى بالمزيد، فإن حدثا يطوي آخر، وحادثة تنسينا التي قبلها، إنها كما قال صلى الله عليه وسلم: (ستكون فتن كقطع الليل المظلم، كلما قيل انقضت تمادت، يصبح الحليم حيران).
وإنني سأتناول حدثين اثنين ما تزال أحداثهما تتفاعل وهي تتهيأ للمزيد من التصعيد، حدثين كانت البداية غير متوقعة ولم يكن مخططا لها، ولم تقف خلفها أية واجهة رسمية أو حتى عنوان، أما الأولى فإنها الثورة السورية، وأما الثانية فإنها الانتفاضة الفلسطينية.

الثورة السورية

إنها التي انطلقت شرارتها يوم 17-3-2011 حيث مازلنا قريبين من ذكراها الخامسة. ووفق كل الروايات فإن البداية كانت حينما سمعت معلمة مدرسة ابتدائية في مدينة "درعا" في حوران جنوب سوريا، حديثا بين بعض المعلمات عن خلع حسني مبارك وهروب زين العابدين رئيس تونس وتنحي علي عبد الله صالح وثورة الليبيين ضد القذافي، فقالت مازحة (عقبال عنا)، تقصد وتتمنى التغيير في سوريا كما حصل لتلك الدول. ومثل لمح البصر ينقل الوشاة والمخبرون- وهكذا حال الدول البوليسية- الخبر إلى الأجهزة الأمنية التي استدعت تلك المعلمة. وبعد الإهانة والضرب والتهديد بالفصل والتهديد بالاغتصاب، حُلق شعر رأسها بالكامل (على الصفر) وأجبرت على العودة إلى المدرسة ليراها الطلاب والمعلمون، ولتكون عبرة لم يعتبر.
وانتصارا للمعلمة المهانة والمظلومة، وفي اليوم التالي يكتب بعض طلاب صفها على جدران المدرسة الخارجي بعض العبارات ضد النظام (فليسقط بشار).. (نريد تغيير النظام). وبنفس السرعة تصل الأجهزة الأمنية إليهم فيعتقلون ويوسعون ضربا وتعذيبا، ويذهب آباؤهم إلى المقرات الأمنية للتشفع لهم، وأنهم مجرد صبية صغار، وإذا برئيس جهاز الأمن السياسي في درعا- وهو ابن خالة بشار الأسد- يقول: (يبدو أنكم لا تعرفون تربية أولادكم، فسنأتي بنسائكم لنجعلهن يلدن أولاد أحسن تربية)؛ يقصد اغتصاب النساء والزوجات أمهات الأطفال، ثم طرد الآباء بعد سيل من السباب والشتائم.
بعد أيام تتوجه مجموعة من الوجهاء وشيوخ العائلات والقبائل (باعتبار أن درعا ومنطقة حوران هي منطقة بادية وعشائر) ليتشفعوا للأطفال لإطلاق سراحهم، وإذ برئيس فرع الأمن السياسي- أي المخابرات- وقد جلسوا في ديوانه- يتقدم منهم الواحد تلو الأخر وينزع العقال الأسود الذي يلبس فوق الحطة (الشماغ) الذي يلبسه كبار السن والوجهاء وشيوخ القبائل، ينتزعه عن رؤوسهم ثم يلقيه في سلة النفايات تحقيرا وازدراء، ثم يطردهم ليخرجوا إلى الشوارع ويرجعوا إلى بيوتهم بدون العقال، وهذا له دلالة سيئة جدا وإهانة ليس بعدها إهانة في العرف العشائري.
بدأت ملامح التذمر، وراح الناس يخرجون إلى الشارع. وكانت صلاة الجمعة القريبة حيث كانت بداية المطالبة بالكرامة ومعاقبة قائد الجهاز الأمني الذي ارتكب ذلك العمل. هكذا كانت البداية لتتسع دائرة الأحداث ولتنطلق شرارتها من درعا جنوبا حتى القامشلي في شمال شرق سوريا، مرورا بحمص، ولتستمر ستة أشهر بمظاهرات سلمية تطالب بالإصلاح والكرامة. ورغم القتل والذبح والخطف والاغتصاب اليومي من الأجهزة الأمنية إلا أن رصاصة واحدة لم يطلقها المتظاهرون. ولكن بعد إذ أدركوا أن النظام لا يريد التغيير، ولا يريد التوقف عن جرائمه، بدأ بعض الناس يردون بالمثل على القوات الأمنية دفاعا عن أعراضهم وأبنائهم، ولتتسع دائرة الأحداث حتى تحولت إلى ثورة شعب عارمة امتدت لخمس سنوات وحصدت قريبا من 400.000 قتيل، وأكثر من 12 مليون لاجئ ومتشرد، وتدمير قريبا من نصف بيوت السوريين. ولا أظن أنني بحاجة لمزيد من التفصيل عما أصبح عليه حال سوريا، حيث بشار ما يزال يذبح ويقتل ويستدعي القوى الإقليمية الطائفية أمثال حزب الله وإيران، والخارجية أمثال روسيا للدفاع عنه ضد شعبه.
إذًا كانت هذه هي حقيقة بداية الثورة السورية. ولعل ما ورد في كتاب "الفتن" لنعيم بن حماد يشير إلى ذلك؛ كما قال الدكتور محمد الصادق المراني اليمني، حيث أن هذه الأحداث علامة وإشارة إلى قرب ظهور الإمام المهدي. ففي الرواية الأولى عن سعيد بن المسيب قال: "تكون فتنة كأن أولها لعب الصبيان، كلما سكنت من جانب طمت من جانب، فلا تتناهى حتى ينادي مناد من السماء: (ألا إن الأمير فلان). وفي الرواية الثانية عن ابن المسيب قال: "تكون فتنة بالشام كأن أولها لعب الصبيان، ثم لا يستقيم أمر الناس على شيء، ولا تكون لهم جماعة حتى ينادي مناد من السماء، عليكم بفلان".
إنها النهاية المفرحة بعد تلك البداية المأساوية، حيث سينتصر شعب سوريا، وحيث دمشق خير مدائنها، وحيث الغوطة مقر جيوش الإسلام، وحيث في دمشق سيكون نزول نبي الله عيسى عليه السلام، فلا عليكم يا أبطال الشام يا خير أجناد الأرض، فرغم هذا الليل حتما سيطلع الفجر.

الانتفاضة الفلسطينية

وإذا كانت الثورة السورية ضد جرائم بشار قد بدأت قبل خمس سنوات، فإن الانتفاضة الفلسطينية الثالثة ضد الاحتلال الإسرائيلي قد بدأت قبل خمسة أشهر، وتحديدا يوم 4-10-2015.
وإذا كانت الثورة السورية قد انطلقت، وكانت بدايتها دفاعا عن المعلمة التي تمنت زوال الحكم الطائفي البعثي المقيت، فإن الانتفاضة الفلسطينية قد كانت دفاعا عن المرابطات والنساء الفلسطينيات اللاتي اعتدى عليهن جنود الاحتلال عد بوابات وفي ساحات المسجد الأقصى المبارك. حيث خرج بعض الشبان بمبادرات فردية للانتقام ممن اعتدوا على النساء، وممن يدنسون المسجد الأقصى من جنود الاحتلال ومن المستوطنين.
لقد كانت بدية أحداث الانتفاضة الثالثة، والتي ارتقى فيها قريبا من 210 شهداء، وقتل قريبا من 35 إسرائيليا. كانت البداية خلال أحداث موسم الاقتحامات السنوي الثاني، والذي كانت ذروته خلال عيد الغفران ورأس السنة العبرية من العام الماضي، وها هو موسم الاعتداءات والاقتحامات الأول من العام الحالي يوشك أن يبدأ مع اقتراب عيد الفصح خلال الأيام القادمة، وحتما ويقينا فإن شعبنا لن يقبل ولن يستسلم أمام اعتداءات وانتهاكات واقتحامات اليهود تحميهم الشرطة والمخابرات وكل الأجهزة الأمنية. وإن أبناء شعبنا رجالا ونساء، شيبا وشبانا سيدفعون هذا الشر والتدنيس عن المسجد الأقصى المبارك مهما كان الثمن ومهما كانت التضحيات.
صحيح أن مشوار شعبنا في مواجهة الاحتلال ومقارعة مشروعه الصهيوني قد بدأ منذ وعد بلفور، وكانت انتفاضة البراق عام 1929، والتي بدأت بعد وضع مجموعات من اليهود كراسي وطاولات عليها كتب توراة أمام حائط البراق، بحماية وتحت عيني جنود الاحتلال الانجليزي، فكانت الثورة المجيدة التي امتدت إلى كل أرجاء فلسطين رفضا للسماح لليهود بإقامة شعائر دينية مقابل حائط البراق، تماما مثلما أن شعبنا من يومها إلى اليوم ما يزال يعتقد أن الحائط الغربي هو حائط البراق وليس حائط المبكى المزعوم، ومثلما ارتقى الشهداء يومها بالمئات خلال ثورة البراق، فإن الشهداء ارتقوا مع كل انتفاضة وهبّة وثورة انتصارا للمسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف.
فإذا كانت بداية انتفاضة القدس الثالثة قد بدأت منذ خمسة أشهر بسبب انتهاك حرمة المسجد الأقصى المبارك وانتهاك حرمة المرابطات المسلمات المدافعات عن المسجد الأقصى المبارك، وإذا كانت البداية مع موسم الأعياد، فحتما إن الاقتحامات ستزداد، وإن ثورة شعبنا وعزمه على المواجهة والدفاع عن المسجد الأقصى ستزداد كذلك.
نعم، هكذا كانت البداية وهكذا سيستمر الحال؛ اقتحامات وتدنيس وتهويد من طرفهم، ودفاع وبطولات وتضحيات من أبناء شعبنا حتى تكون النهاية؛ إنها النهاية التي لم يتوقعها خبير عسكري ولا محلل سياسي ولا منجّم يدعي قراءة المستقبل، ولكنها النهاية التي حددها وعلمها وأخبر عنها علام الغيوب وملك الملوك الله رب العالمين، إنه الله سبحانه الذي أخبر عن ظلم وبطش وإفساد وعلوّ بني إسرائيل مرتين: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدُنّ في الأرض مرتين ولتعلُنّ علوا كبيرا) أيه 4 سورة الإسراء. واللافت أن هذه الآية جاءت بعد مطلع السورة: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) أية 1 من سورة الإسراء.
إنهما إفسادان لهما أول ولهما آخر، وسينتهي الإفساد الثاني "الآخر" بدخول المسلمين إلى المسجد الأقصى المبارك فاتحين مطهرين: (فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ولتبِّروا ما علوْا تتبيرا) أية 7 من سورة الإسراء. ولكن هذا لن يكون إلا بعد أن يبلغ الصلف الإسرائيلي مداه، وتبلغ العنجهية والعلو والاستكبار ذروتها كما هو حاصل ونراه بأم عيننا. والأهم من ذلك أن هذا لن يكون إلا بعد أن يجمع الله من الشتات بني إسرائيل ويأتي بهم إلى فلسطين؛ مصداقا لقوله سبحانه في الآية 114 من سورة الإسراء: (وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا في الأرض، فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا) 104 من سورة الإسراء.
نعم، إنه الدخول إلى المسجد الأقصى المبارك، وإلى القدس الشريف، التي ستكون عاصمة دولة الخلافة الإسلامية القادمة والقريبة بإذن الله تعالى، والتي فيها وفي مسجدها الأقصى سيصلي السيد المسيح عليه السلام جماعة، حيث إمام الصلاة خليفة المسلمين.
إنني لا أعتب ولا ألوم من يرى في كلامنا هذا أضغاث أحلام، وأنها أمنيات المفلسين. نعم، لا ألوم من أقعده اليأس حتى عن مجرد الأمل والتفاؤل، فكيف بمن أقعده وحرمه الجهل بعدم معرفة نصوص الشرع ولا قراءة التاريخ؟
لقد كانت البداية بانتصار الطلاب للمعلمة، وانتصار شبان القدس والضفة للمرابطات عند بوابات المسجد الأقصى. ورغم أن بشار قد استعان واستقوى بحزب الله وإيران وروسيا، ورغم أن الاحتلال قد استعان بالسلطة الفلسطينية، حيث التنسيق الأمني المفضوح لوأد الانتفاضة وقمعها، إلا أن إرادة الشعوب تصطحبها وتدعمها إرادة الله، ستكون أقوى من الظالمين والطواغيت.
نعم، هكذا كانت البداية وهكذا ستكون النهاية: "نصر من الله وفتح قريب"، وسينتصر الشعب الفلسطيني على الاحتلال الإسرائيلي المدعوم من كل قوى الشر العالمية ومن دول الخنوع والذل العربية، وسينتصر الشعب السوري على القتلة والسفلة، وستكون أرض سوريا عقر دار الصالحين والأبطال والمجاهدين، الذين سيواجهون قوى الشر، التي تتحالف وتتجمع اليوم في سوريا وحولها.
وكما قلت أكثر من مرة فإن ما يجري في سوريا الآن ما هو إلا مشاهد أوليّة من "فيلم الرعب الكبير"، حيث ما تزال أحداث جسام عظام في انتظار سوريا والمنطقة، ولكن حتما سينتصر الخير على الشر، والحق على الباطل، والنور على الظلام، وسينتصر الإسلام على كل أعدائه.
فإذا كانت البداية مُحرقةً حيث الدماء والشهداء، فستكون النهاية مُشرقة بفرج النصر وفتح مبين بإذن الله رب العالمين على الشام وعلى فلسطين.
عشنا فصول وأحداث البداية، ولمن يعيش ويطيل الله في عمره فإنه سيرى فصول وأحداث النهاية المباركة. وإن غدا لناظره قريب.


اضافة تعليق