الفندق المعزول المحاط بالأسوار ( شوقية عروق منصور ) .


نشر بتاريخ: 2017-03-13 12:43:40

شوقية عروق منصور



منذ ولد الانسان والمكان ملازم له، حتى يقال ان المكان قبل الانسان، وقد شكل المكان حياة الانسان حتى قالت العرب "البقاع تدل على الطباع" فالذين يسكنون الصحراء تختلف طباعهم عن الذين يسكنون سفوح الجبال أو الوديان، والذين يسكنون المناطق الباردة يختلفون عن الذين يسكنون المناطق الحارة.. الخ.
لست في حالة عرض لقضية المكان، وهناك مئات الدراسات والأبحاث كتبت عن المكان في الرواية والشعر والسياسة والتراث والفلسفة و الديانات، لكن لم نجد مكانًا يشير الى الاتهام بصورته المباشرة، الواضحة، كما رأيناه في الفندق الفلسطيني.
في الحروب والنزاعات تتخذ بعض الأمكنة صورتها الدلالية، حيث تتحول الى عناوين بارزة للهيمنة والقوة والسيطرة، كما رأينا في الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، مقرات الحاكم العسكري والسجون وغرف التحقيق ومعسكرات الجيش والحواجز والمكاتب الخاصة بالمحتل، جميعها تشير الى قوة وسيطرة الاحتلال.
عدا عن الأدبيات، الشعر والرواية والقصة والرسم والنحت لم يعمل الفلسطيني المكان المواجه الذي يثير الحنق والغضب في المحتل، لم يقم ببناء المكان الذي يتحدى ويبرز قبح الاحتلال ومرارته، قد تكون المخيمات ببؤسها الأمكنة الناطقة، الصارخة بوجه الاحتلال واللجوء، قد تكون رفاهية المستوطنات وبيوتها الفخمة الأمكنة النقيضة والتي يشعر من يراها أن الاحتلال يحصد نتيجة احتلاله، خاصة أن الجسد الفلسطيني يضيق كلما يضيق المكان حتى تحول الى قزم تترك له السلطات الإسرائيلية فتات الأراضي.
فجأة دون سابق انذار يُفتتح فندقٌ في بيت لحم، تطل نوافذ الفندق على الجدار العنصري، الجدار الملعون الذي قسم القرى والمدن الفلسطينية وقام بالتشويه والعبث في حياة الفلسطينيين، الذين وجدوا انفسهم داخل دائرة طويلة ومريرة بالحواجز والذل حتى يصلوا الى المكان الذي يريدونه، وقد كتب الكثير عن الجدار والمأساة التي يعيشها الانسان – لا ننسى فيلم عمر للمخرج هاني أبو أسعد الذي القى الضوء على معاناة العاشق الفلسطيني أيضًا.
أطلق على الفندق (الفندق المعزول بالأسوار) حيث يطل على الجدار مباشرة، ما أن يفتح الزائر نافذة غرفته حتى يجد الجدار أمامه و الجندي الإسرائيلي شاهرًا بندقيته، عدا عن الغرف والرسومات التي تدل على الاحتلال والمقاومة والمظاهرات،هناك نكهة جديدة تحمل رائحة القلق الإنساني، رائحة التساؤل الصادم الى متى سيبقى الوضع هكذا؟ وماذا بقي من عقوبات تُفرض على الشعب الفلسطيني؟
قام بالتصميم ورسم الرسومات الفنان البريطاني الشهير "بانكسي" الذي لا أحد يعرف اسمه الحقيقي ويعتقد أنه روبرت بانكسي من مواليد 1974 وقد رسم سابقًا عدة رسومات على الجدار في الضفة الغربية، والتي تمثل الاحتلال والصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
الفندق صغير جدًا يحتوي على عدة غرف، وهناك من شكك بإقامة هذا الفندق، وهناك من قال يخدم المصالح الصهيونية عبر حرية التعبير والديمقراطية وأيضًا سيخدم السياحة الإسرائيلية، والرسومات تدل على إمكانية العيش المشترك، أما اللوحة التي تجسد الفلسطيني والإسرائيلي في عراك ليس بالأسلحة بل بوسائد محشوة بالريش، والريش يتطاير بدلًا من الرصاص، فهذه اللوحة قد تكون خيالًا ينام في مخيلة الرسام في حل النزاع.
الصورة الفندقية عبر تواجدها التاريخي كانت مرآة للجمال والرفاهية والراحة والانبساط والخدمة المتناهية، وأحيانًا في أفلام الرعب والجريمة قد تكون الفنادق مكانًا للقتل وتسلسل أحداث الرعب، ولكن أن يكون الفندق مكانًا للاتهام العنصري، لتسليط الأضواء على معاناة الفلسطينيين من وجود الجدار، فهذا هو الشيء الجديد.
افتتاح الفندق (المعزول بالأسوار) يغني عن عشرات المحاضرات والندوات واللقاءات والسفريات الى الخارج، يكفي أن يرى السائح الأجنبي منظر الجدار الخانق لمدة أسبوع ليعرف ما معنى احتلال وقسوة العيش في ظله.
في فرنسا أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا، كتب أحد الكتاب يكفي عزف النشيد الألماني في إحدى صالات باريس لكي يثير حفيظة الفرنسيين ويعرفوا معنى احتلال.
لكن الشعب الفلسطيني لم يسمع النشيد الإسرائيلي فقط، بل مورست فوق جسده المنهك، المسلوب، جميع أنواع الاحتلالات القاسية، ويستقر الآن جسده في فندق "معزول بالأسوار" ليس لكي يرتاح، بل لكي ينطلق الى فكرة أخرى، لعل العالم يرى ويسمع وينطق بالعدل والعدالة.



اضافة تعليق