الوجه أمريكا والعجيزة إسرائيل ( تميم منصور )


نشر بتاريخ: 2017-03-07 05:21:35

الكاتب : تميم منصور


ليس صدفة وجود هذا التلاحم السياسي والفكري بين أمريكا و إسرائيل، وقد كانت بداية هذا التلاحم الذي جمعهما في سياسة عدوانية واحدة، ثوابتها المشتركة العنصرية وقهر الشعوب، ونهب ثرواتها بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.
نتيجة هذا العدوان أيقنت أمريكا أن الامبراطوريتين الاستعماريتين التقليديتين بريطانيا وفرنسا أصبحتا عاجزتين عن الاستمرار بالتحكم بمصير الشعوب، وأنه قد تم تفريغ  قُدراتهما ونفوذهما، خاصة في الشرق الأوسط، بعد قيام عدة ثورات بدعم من الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية، لقد أرادت أمريكا من إسرائيل أن تكون مخلب القط الذي تستخدمه ضد الأنظمة الثورية في المنطقة.
زاد قلق أمريكا والى جانبها إسرائيل بعد قيام الاتحاد السوفييتي بدعم مصر التي قادها في حينه الضباط الأحرار، فقدم العتاد الحربي  وساعد في تنظيم جيوش الدول العربية الثورية، إضافة الى الدعم الاقتصادي الذي جاء بديلًا للهيمنة الامبريالية والامتيازات الأجنبية، نذكر من هذه الدول إضافة الى مصر سوريا، العراق، الجزائر، ليبيا، السودان واليمن.
ادعت أمريكا وقتها أن من واجبها المحافظة على المصالح الامبريالية والصهيونية في المنطقة بدعم من  إسرائيل، خاصة مصادر الطاقة، وقناة السويس، والأنظمة الحليفة لها، كالأردن والسعودية ودول الخليج ونظام الشاه في ايران.
اعتبرت أمريكا نفسها بأنها وريثة لبريطانيا التي اصبحت  دولة من الدرجة الثانية بالنسبة لامريكا وقوة الاتحاد السوفييتي، كانت المهمة الرئيسية للسياسة الامريكية في المنطقة هي "محاربة التغلغل الشيوعي" كما اسمته، فاعلن عما اسمته مشروع ايزنهاور لسد الفراغ الذي تركته بريطانيا بعد ان سحبت قواتها من منطقة قناة السويس، ومن الأردن والعراق.
لم تجد أمريكا حليفًا افضل من إسرائيل، إضافة الى دعمها المتواصل لشاه ايران ولتركيا حليفة الامبريالية التقليدية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم.
وضعت أمريكا أسس التعاون مع إسرائيل، حتى أصبح استراتيجيا، وجزءًا لا يتجزأ من سياسة البيت الأبيض الخارجية، هذه السياسة لم تتغير مع تغير وتبديل الرؤساء الذين تولوا الحكم في البيت الأبيض.
كان من السهل إيجاد القواسم المشتركة مع الحركة الصهيونية، السقف السياسي لإسرائيل، بصفتها منظمة عالمية عنصرية كولونيالية، وقد نضجت هذه الأسس حتى أصبحت ثوابت راسخة لا تزال قائمة حتى اليوم، وعندما دخل الرئيس الأمريكي الحالي ترامب البيت الأبيض، دخل معها ووجدها أمامه، من هذه الثوابت الراسخة التي لم تتغير منذ العدوان الثلاثي.
تبني مبدأ التمييز العنصري، السبب ان الشعبين في أمريكا وفي إسرائيل غرباء ودخلاء على البلاد التي يعيشون فوق ترابها.
فالشعب في أمريكا خليط من الأمم والشعوب المختلفة، هاجر من اوطانه الاصلية قبل مئات السنين، هؤلاء المهاجرون لايختلفون في أهدافهم ومهماتهم عن المهاجرين اليهود الذين قدموا الى فلسطين بهدف الاستيطان وعرفوا باسم الهجرة الأولى عام 1882، القاسم المشترك إقامة وطن جديد او كيان سياسي على حساب شعب آخر، الشعب الآخر في أمريكا هم قبائل الهنود الحمر، سكان البلاد الأصليون، والشعب الآخر في فلسطين هم العرب الفلسطينيون سكان البلاد الأصليون.
في أمريكا تمكن المهاجرون من إقامة نظام سياسي بعد تطورات وتقلبات كثيرة أهمها، جلب اعداد كبيرة من العبيد لخدمتهم، ونشوب الحرب الأهلية المعروفة، لم ينجح الدستور الأمريكي ومواده التي تنص على منع العبودية ورفض التمييز العنصري، إلا انه بقي حبرًا على ورق، نظريًا رفض الكثيرون من الامريكان الالتزام بها حتى اليوم، ولا زالت تبعات هذه التربية العنصرية مترسخة في نفوس الكثير من الامريكان، فمن جهة لا زالوا يحلمون بالعنصرية والعبودية ويطبقونها في بعض الأحيان، ومن جهة ثانية فإن نظرتهم للشعوب خارج الولايات المتحدة نظرة فوقية ـ فلم يتأخروا في ارتكاب المجازر اذا اقتضت الضرورة، واذا توفرت الأسباب التي تتيح لهم الاحتلال والتوسع، فالحضارة الامريكية مهما تطورت، تبقى عاجزة عن مسح وشطب الجرائم الامريكية بحق الشعب الفيتنامي، والشعب العراقي، والشعب الافغاني والشعب الياباني والقائمة طويلة.
هذه الصورة تنعكس على الوضع في إسرائيل، فغالبية سكان إسرائيل دخلاء على هذه البلاد، وقد استوطنوها تحت غطاء سلطات الانتداب البريطاني بشكل أساسي، وبمساعدة قوى امبريالية عالمية وبدعم مالي من المنظمة الصهيونية، لقد رافق تثبيت الاستيطان طرد السكان الأصليين، وهم الفلسطينيون، فالإسلوب الذي استخدمه البيض في أمريكا، استخدمته الصهيونية بعد أن أقامت عصابات وتنظيمات إرهابية، كانت مهمتها قتل وترحيل غالبية السكان المحليين.
اكتمل التشابه وتطابقت الاعمال التي قام بها البيض والاعمال التي قام بها الإسرائيليون بعد إقامة كياناتهم السياسية، الكيانيان اتبعا سياسة التمييز القومي ضد السكان المحليين، فالممارسات التي تقوم بها المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة ضد المواطنين العرب، وضد المواطنين في المناطق المحتلة، ما هي الا امتداد للممارسات العنصرية التي عانى ولا يزال يعاني منها الملونون في الولايات المتحدة، من حيث الملاحقة، والتمييز في العمل داخل المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة، الملونون والمواطنون العرب يعانون من سياسة التمييز أمام المؤسسات القضائية، فالأسود في أمريكا كالمواطن العربي يشعر دائمًا بأنه ملاحق ويتواجد في خانة الشك والتهمة -  وما حدث في قرية أم الحيران في النقب لهو أكبر دليل على ذلك، كانت أصابع شرطة "روني الشيخ" العنصرية رخوة على الزناد وكانت التهمة المزيفة جاهزة ضد الضحية "يعقوب ابو القيعان" - هذا ما تفعله شرطة البيض ضد الملونين داخل الولايات المتحدة.
من بين الثوابت العنصرية المشتركة بين نظام الحكم في أمريكا ومثله في إسرائيل رفضهما شبه المطلق لدخول مهاجرين جدد اليهما، بالنسبة للولايات المتحدة فان ترامب سارع بإغلاق الحدود، خاصة بوجه المسلمين، وفي وجه المهاجرين من أمريكا الجنوبية، أما إسرائيل، فإنها أكثر عنصرية، فإنها حتى الآن تمنع سكان البلاد الأصليين من دخول وطنهم، كما أنها تمنع التواصل بين شرائح المجتمع الفلسطيني، ان سياستها هذه أدت الى تفريق شمل آلاف العائلات الفلسطينية، بسبب قيامها بإصدار ما عرف بقانون منع جمع الشمل بين أبناء الاسرة الواحدة.
من بين الثوابت المشتركة بالعنصرية أيضًا، ثقافة إقامة جداران الفصل العنصري، فإسرائيل محاطة من جميع الجهات تقريبًا بهذه الجدران، أكثرها عنصرية، الجدار الذي أقامه الاحتلال داخل الضفة الغربية، فهذا الجدار ضاعف من تبعات الاحتلال، لقد التقى النظامان العنصريان أمام هذه الظاهرة، فقد سارع الرئيس الأمريكي الجديد الذي ينضح بالعنصرية ويتمرغ بوحلها، الى الإعلان عن إقامة جدار فصل عنصري مع المكسيك وهذا يعكس نظرة هذا الاهوج الى غيره من بني البشر.
هناك قواسم مشتركة بين سياسة كل من إسرائيل وامريكا، مثل دعم العصابات الإرهابية لاستغلالها في محاربة المقاومة، خاصة في سوريا وايران، كما ان اتباع سياسة الاغتيالات والتجسس واحتضان الأنظمة الرجعية والمستبدة من الأولويات التي لا تتخلى عنها كل من إسرائيل وامريكا.



اضافة تعليق